” الأدب مع رسول الـلَّـه “


الأدَبُ هو حُسْنُ أداءِ حقِّ الغَيْرِ فى معاملتهِ بما يناسبُ مقامَهُ وحاله….
فأنت إذا لم تعرف مقام من تعامله ، فلن تعرف حدود الاحترام الواجب عليك نحوه … ، وكذلك إذا لم تراع حالَتَهُ من رضَا وغَضَبٍ وظروفٍ ، فلن تعرف ما يناسبُ حالته فى المعاملةِ.
هذا تعريف الأدب على إطلاقه … وواضح أن له ظاهرٌ وهو المعاملة، وله باطنٌ وهو المحبَّةُ ، أو الاحتِرامِ ، أو الهيبة …. الخ.
فإذا كان الأدب هو مع رسول الـلَّـه … ونحنُ لا نُدْرِكُ عُلُوِّ مقامِه وسُمُوِّ درجته ، فكيف يتسنَّى لنَا الأدب مع حضرته
صحيحٌ أنَّ الـلَّـه جَلَّ وعلا قد علمنا ظاهر الأدب مع رسوله …

فقال : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ) ،

وقال : ( لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا ۚ )

وقال : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ )

و قال : ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ )

و قال : ( إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا )

و قال : ( لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَٰكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ ۚ )

و قال : ( لا تقدموا بين يدي الله ورسوله )

و قال : ( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا (57) )

و قال : ( لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (44) )

و قال : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا )


لذلك فقد كان صحابةُ رسول الـلَّـه على هذه الأحوال من الأدب معه …
• فلا يقدِّمون بين يديه بالكلام ، إلا إذا أذن لهم ..
• ولا يرفعون أصواتهم فى حضرته .
• وحديثهم مع الرسول ﷺ محاط بالهيبة والجلال والوقار …
• ويلبون دعوته لهم ، حتى لو كانوا فى الصلاة …
• وليس لهم اختيار مع أمره ﷺ .. فلا يراجعون أوامره .
• وكانوا يصلُّون عليه فى حضرته .. وفى غيبته عنهم …
• وكانت زيارتهم لبيوته ، على قدر الضرورة وبالدعوة منه..

وما كان أعظم أدب رسول الـلَّـه ﷺ معهم … يباسطهم .. ويتواضع لهم … ويشاركهم أفراحهم ….ويعزِّى مُصابهم … ويفرِش ردائهُ الشريف ليجلس عليه أصحابه ، ويهاديهم … ويقبل هداياهم .. ، ويجزيهم عنها بأفضل منها ..

وما كان أعظم حياءه .. فَيُعـَـلِّمُ جاهلهم برفقٍ ورحمةٍ .. ويعفو عمن يخطئ فى حقِّهِ … ويؤْثِرُهم على نفسه فى الطعام والشراب والكساء…، ويخفف عنهم جلال هيبَتِهِ ، فيجلس على الأرْضِ ويقول ” إنَّما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد بمكَّة ” … وما كان أشَدَّ تواضُعِهُ … حتى كانَ يَأمُرُهُم ألاَّ يقوموا له ، إذا دخل عليهم .. ، مع أمره لهم بأن يُنْزِلوا الناسَ منازِلَهُم … ويقول” إنَّمَا أنا عبْد الـلَّـه ورَسُولُهُ …”

ومع هذا ، فقد كان من الصحابة من يقبِّل يده الشريفة … وكذلك قدمه الشريفة كما فعلَ ” العاصُ بن الرّبيع ” … ولم يعترض رسول الـلَّـه … بل كان يقول ” أخى .. لَعَمْرِى “….

ومنهم من كان يتمسَّحُ بجسدهِ الشَّرِيفِ تَبَرُّكاً بِه … ومنهُم من جمع عرقه المبارك ، ليتطيب به ، كأمِّ سليم ، ومنهم من استهداهُ عباءَتَهُ، لتكون له كفنا بعد موته … ، ومنهم مَنْ شَرِبَ من دَمِّهِ الشريف بعد حجامةٍ له ، وهو ” عبد الـلَّـه بن الزبير ” ، وكذلك “مالك بن سنان”… ومنه من شرب من بوله عليه الصلاة والسلام وهى ” أم أيمن”… وما اعترض على أحد من كُلِّ هؤلاء..

وعندما حجَّ رسولُ الـلَّـه ﷺ حَجَّةَ الوداع ، أمر الحَجَّامَ فوزَّعّ شعره الكريم على الحاضرين ، حتى كان الصحابىُّ يحتفظ بالشعرةِ والشعرتين فى عمَامَتِهِ كما فعل سيدنا ” خالد بن الوليد ” رَضِىَ الـلَّـه عنه … وكان لايقاتل فى معركة إلاَّ بتلك العمامة ، ولهذا الأمرِ قصة معروفة فى ” موقعه اليرموك ” فانظر إلى كُتُبِ التَّاريخ ..

ورسولُ الـلَّـه … لم يعترض على أىٍّ من الصّحابةِ الذين أظهروا حُبَّهُ بِهَذِهِ الكَيْفِيَةِ …..

نعم هو لم يأمر بها … ، ولكنه لم يَنْهَ عنها… ، بل هو الذى أمر الحَجَّامَ بإهداءِ شَعْرِهِ للحاضِرِين …

ورسول الـلَّـه ﷺ يعرف قدر نفسه .. ، ولكنه يتواضع .. ، ويتخذ دائماً مقام العبودية فخراً له … ، وقد خيَّره الـلَّـه تعالى بين أن يكون نبياً ملكاً ، وأن يكون نبياً عبداً … ، فاختار ﷺ العبودية لـلَّـه تعالى …

ورسولُ الـلَّـه يعرف أنَّ جاهَهُ عنْدَ الـلَّـه عظيم… وبه عَلَّمَ الأعمى أن يستشفع به عند ربِّه ، أن يعيد إليه بصره ، كما فى الحديث الصحيح الذى رواه الترمذِى وابن ماجة والحاكم فى مستدركه عن ” عثمان بن حنيف ” ، حيث قال للأعمى قل ” الـلَّـهم إنِّى أسألك ، وأتوجه اليك بنبيك محمَّد نبىِّ الرحمة ، يا محمد إنِّى توجَهْتُ بِك إلى ربِّى فى حاجتى هذه لتُقْضَى لِى ، الـلَّـهم فَشَفِّعهُ فىَّ ” ،
وقد ردَّ الـلَّـه تعالى على الأعمى بصره ، ببركة هذا الدعاء …

ويقول ” مَا اخْتَلَطَ حُبِّى بِقلْبِ عبْدٍ إلاَّ حَرَّمَ الـلَّـه جَسَدهُ عَلَى النَّارِ ” وهو صحيحٌ ، ذكره أبو نعيمٍ فى الحلية عن ” ابن
عمر ” …. فهو يعرف قدره عند الـلَّـه تعالى بلا شك ….

مقتطفة من كتاب ” الإحسان “- باب ” حول نبوة رسول الله ﷺ ” – لعبد اللـه // صلاح الدين القوصى

www.alabd.com

رابط إذاعة ” حب النبى ” عبر الإنترنت :

attention.fm